فوزي آل سيف
129
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
العصيان والتمرد على أوامر الله هو من وضع الشيء في غير موضعه فلقد كان يجب على العبد أن يتمرد على الشيطان وأن يعصيه وفي المقابل يسلم لأمر الله ويطيعه، فلما عكس ذلك، متعديًا كان ظالمًا لربه. صحيح أن الله تعالى لا يتأثر، ولا يرد عليه النقص، لو قام العبد بتلك الأعمال، فالله سبحانه وتعالى هو الغني كما لا تنفعه طاعة من أطاعه لا تضره معصية من عصاه! وقد ورد وصف الكافرين بالظالمين، وهكذا وصف الشرك بأنه ظلم عظيم! وقد استفاد منها أصحاب هذا الاتجاه بأن المقصود منها الظلم الصادر من العبد إلى مقام الله تعالى، وإن كان الله تعالى لا يتأثر بذلك لكن هذا الفعل ظلم، وقد صرح الراغب الاصفهاني في تفسيره بهذا المعنى بقوله " لما كانت العدالة بالقول المجمل ثلاث: عدالة بين الإنسان ونفسه، وعدالة بينه وبين الناس، وعدالة بينه وبين الله تعالى، كذلك للظلم ثلاثة في مقابلتها وأعظم العدالة ما بين الإنسان وبين الله وهو الإيمان، وأعظم الظلم ما في مقابلته وهو الكفر، فلذلك قال: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾.[285] بل، حتى لو لم يكن هناك جحود أو إنكار، وإنما كان عدم الإفراد له بالعبادة، وجعل الشركاء له فهذا أيضًا يعتبر ظلما، كما قال لقمان لابنه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).[286]فأنت تضع من لا يستحق شيئا إلى جانب صاحب القدرة المطلقة. وتجعل الأصنام البشرية والحجرية إلى جانب ربك. وهذا وضع للشيء في غير موضعه. وقد يكون في كلام صاحب تفسير الأمثل ما يفهم منه هذا وإن كان لم يصرح به، ولكنه لما تحدث عن الظلم ثم عن ظلم الإنسان نفسه، ربما كان مقصوده ما نحن بصدده، قال في شرح الآية المباركة ".. وأيّ ظلم أعظم منه، حيث جعلوا موجودات لا قيمة لها في مصافّ الله ودرجته، هذا من جانب، ومن جانب آخر يجرّون الناس إلى الضلال والانحراف، ويظلمونهم بجناياتهم وجرائمهم، وهم يظلمون أنفسهم أيضًا حيث ينزلونها من قمّة عزّة العبودية لله ويهوون بها إلى منحدر ذلّة العبودية لغيره".[287] ولعل القائلين بعدم صحة هذا التقسيم، يريدون النجاة من محذور أن يكون الله سبحانه محلا للحوادث والوقائع عليه، ومثلما العبد عندما يُظلم يتأثر في بدنه أو نفسه أو ماله، فإذا قلنا بأن الله يقع عليه الظلم يحصل مثل هذا التوهم! 2/ والقسم الثاني: حين يظلم الإنسان قد يظلم نفسه. بجعلها في غير موضعها تعديا، فبينما خلق هذا الإنسان لأجل عبادة الله وطاعته (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).[288]فإذا جعل الإنسان نفسه، في غير هذا المقام، بأن عصى الله، وعمل السيئات، وترك الواجبات، فإنه يكون قد ظلم نفسه بذلك. خاصة وأنها ستعذب بسبب ذلك، فهذه جهة أخرى تجعله ظالمًا. قال: أبو عبد الله (عليه السلام): وكتب رجل إلى أبي ذر رضي الله عنه يا أبا ذر أطرفني بشيء من العلم فكتب إليه أن العلم كثير ولكن إن قدرت ألّا تسيء إلى من تحبه فافعل، قال: فقال له الرجل: وهل رأيت أحدًا يسيء إلى من يحبه؟ فقال له: نعم نفسك أحب الأنفس إليك فإذا أنت عصيت الله فقد أسأت إليها.[289]
--> 285 ) الاصفهاني ؛ الراغب تفسير الراغب الأصفهاني ١/٥٢٢ 286 (لقمان: 13 287 ) الشيرازي ؛ الشيخ ناصر مكارم: الامثل في تفسير كتاب الله المنزل 13 / 36 288 ) الذاريات: 56 289 الكليني؛ الكافي 2/ 458